السيد عبد الأعلى السبزواري

52

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وغيرهما ، لاختلاف النفوس والاستعدادات حسب الأفراد ، فإذا كان في امتثال الحكم حرج بحسب الأنظار العرفيّة والأمزجة الخاصّة ، يتبدّل الحكم أو يرتفع . ومستند القاعدة الأدلّة الأربعة ، فمن الكتاب قوله تعالى : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وغيره كما يأتي . ومن السنّة روايات مختلفة مذكورة في أبواب متفرّقة ، منها ما عن عبد الأعلى مولى آل سام قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إنّي عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة ، كيف أصنع بالوضوء ؟ فقال عليه السّلام : تعرف هذا وأشباهه في كتاب اللّه تعالى : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ » . ومن الإجماع ، فهو ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين على اختلاف طوائفهم . ومن العقل حكمه بقبح التكليف في مورد الضيق والشدّة ، وأنّ العسر على الإطلاق غير مرغوب فيه ، ولعلّ ما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « بعثت بالشريعة السمحاء السهلاء » في مقام الامتنان إشارة إلى ذلك . وممّا تقدّم ظهر أنّ استيعاب محال الوضوء بالتراب في التيمّم ليكون على نحو الطهارة المائيّة ، حرج مرفوع لم يكلّف اللّه تعالى به العباد . وهذه القاعدة لا تجري في حلّية المحرّمات ، فمن كان في حرج من عدم الاغتياب أو التهمة أو الكذب ، لا تحلّ له ، للإجماع ، ولأنّ مفسدة الارتكاب أكثر بمراتب عن مصلحة الترخيص . وأنّها مقدّمة على جميع الأحكام والقواعد حتّى قاعدة : « لا ضرر » . وذكرنا في كتابنا ( تهذيب الأصول ) الفرق بين الضرر المرفوع في الشرع والحرج ، بأنّ الأوّل أعمّ من الثاني . وقاعدة « لا حرج » كقاعدة « لا ضرر » ترخيصيّة امتنانيّة ، لا أن تكون على نحو العزيمة ، وتظهر الثمرة فيما لو ارتكب العمل مع الحرج بناء على الترخيص ، يصحّ العمل دون العزيمة .